حرية الصحافة بين المهنية والسياسة / سامي كمال الدين

يطرقُ الرجلُ بابَ بيتي يسألُني عن اشتراك قناة «بي بي سي» ، وهو اشتراك إلزامي على كل شخص يقيم في بريطانيا، على الرغم من إلغاء أو رفض الكثيرين تجديد هذا الاشتراك، انصرف الناس عنها بسبب مواقفها الأخيرة، أناقشه طويلًا عن موقف «بي بي سي» من غزة ومن العديد من القضايا العربية، يعتذرُ لي في النهاية بأن هذا ليس موضوعه ولا تخصصه فأخبره بأني أرفض الاشتراك فيها وأعيد تعديد أسبابي له، فيستمرون في إرسال الخطابات البريدية التي لا أرُدُّ عليها. لذا لم تكن أزمة بي بي سي مع خطاب دونالد ترامب مجرد عثرة تحريرية في أرشيف مؤسسة عريقة، بل كانت زلزالًا أخلاقيًا أعاد طرح السؤال الأبدي: أين ينتهي التحرير، وأين تبدأ السياسة؟ وما الذي يبقى من مهنة الصحافة حين تتشابك أصابع السلطة بخيوط السرد والحقيقة، وتكشفُ لماذا انصرف الناسُ عن هذه الشبكة التاريخية التي تربَّى على صوتها أجيال وتعلم منها أغلب من مارسوا الإعلام. الحدث الذي انفجر مع تسريبات داخلية كشف أن مقاطع من خطاب ترامب يوم السادس من يناير أعيد ترتيبها بطريقة توحي بتحريض مباشر على اقتحام الكونغرس، لم يكن مجرد خطأ فني. لقد كان مرآة لصدع أعمق في بنية الصحافة المُعاصرة، حيث يختلط الصدق بالسرد، والمهنية بالانحياز، والبحث عن الحقيقة برغبة التأثير. حين استقال المدير العام تيم ديفي ومديرة الأخبار ديبورا تورنس، بدا المشهدُ أشبه باعتراف مؤسساتي بأن الخلل ليس في الأفراد بل في الثقافة المهنية ذاتها. في زمن تكثر فيه الفضائيات وتتناسل المنصات، لم يعد الخطأ يقاسُ بمدى نية الصحفي، بل بمدى صدى الضجيج الذي يصنعه. وما كان يعد في الماضي هفوةً في المونتاج، صار اليوم قضية وطنية تمس هوية بريطانيا الأخلاقية. لقد دفعت «بي بي سي» ثمن رمزيتها أكثر مما دفعت ثمن خطئها، فهذه المؤسسة التي حملت لعقود شعار «تخدم الأمة ولا تنتمي إلى أحد» تجد نفسها اليومَ متهمة بأنها انحازت، وأنها لم تعد تخاطب الشعب بل تخاطب السلطة أو خصومها، والمفارقة أن هذا الاتهام جاء من كل الأطراف في آن واحد: اليمين يرى فيها صوت الليبرالية المتغطرسة، واليسار يتهمها بالرضوخ لضغط الحكومة. وهكذا تحول الحياد نفسه إلى تهمة. خطورة الأزمة لا تكمن في تفاصيلها التقنية، بل في دلالاتها الفكرية، فهي تجسد اللحظة التي يصبح فيها الصحفي حامل الكلمة الحرة مُحاصرًا بين مطرقة السلطة وسندان الرأي العام، ففي عالم باتت فيه الصورة تعيد تشكيل الحقيقة أسرع من أي خطاب، يصبحُ السؤالُ الأهم: هل الصحافة صدى للواقع، أم صانعة له؟
الصحافة الحرة لا تقاس بغياب الأخطاء، بل بقدرتها على الاعتراف بها دون أن تنحني أمام السياسة، حين تتحول الاستقالة إلى درع حماية للمؤسسة بدلًا من محاكمة عادلة للمنهج، نكون قد فقدنا المعنى العميق للمسؤولية، فحريةُ الصحافة ليست امتيازًا يُمنح من الدولة، بل حقًا تدافع عنه المؤسسات بصلابة الشفافية، لا بليونة التبرير، وبأن تتمسك المؤسسات بأخلاقيات المهنة وقيم الصحافة وأن تنحاز إلى المهنية بصرف النظر عن اليمين أو اليسار. لقد أثبتت الفضيحة أن المهنية وحدها لا تكفي إن لم تصن باستقلالٍ فعلي. فكلما اقتربت المؤسسة الإعلامية من السلطة، فقدت شيئًا من روحها. الصحافة، بطبيعتها، نقيض الراحة؛ هي حارس الحقيقة في عالم يتواطأ على طمسها، ولهذا فإن أخطر ما يمكن أن يحدث هو أن تختزل في دور الوسيط بين السلطة والجمهور، بينما وجدت لتكون ضمير الأمة لا صدى خطابها. من المُحزن أن نشهد مؤسسة بحجم بي بي سي تتلعثم في الدفاع عن نفسها، بينما كانت يومًا مدرسة في قول الحقيقة دون وجل. لكن ما حدث يعيد التذكير بأن الإعلام، مهما علا شأنُه، يظل كائنًا هشّا حين يبتعد عن مبدئه الأول: أن تكون الحقيقةُ هي البَوْصَلة، لا المصلحة. الدرس الأعمق هنا ليس لبريطانيا وحدها، بل للعالم كله، فحين ينهار الجدار بين الصحافة والسياسة، تضيع الحدود بين الخبر والدعاية، ويصبح كل منبر أداة في معركة لا تنتهي بين القوى المُتنازعة على الرأي العام، والنتيجة: تتآكل الثقة، ويغدو الصحفي متهما حتى يثبت العكس. في زمن الذكاء الاصطناعي و «الديب فيك» وتزوير الصور، لم يعد الدفاع عن حرية الصحافة ترفًا أخلاقيًا، بل ضرورة وجودية، لأن فقدان الثقة لا يضعف المؤسسة فحسب، بل يهدم ركائز الديمقراطية ذاتها، الصحافة الحرة هي خط الدفاع الأول عن الحقيقة، لكنها أيضًا أول من يتلقى الطعنة عندما تشتد العاصفة السياسية، لهذا، فإن أزمة بي بي سي ليست نهاية مؤسسة، بل إنذارًا لمهنة بأكملها، الصحفي الحقيقي هو من يجرؤ على الوقوف على الحد الفاصل بين المهنية والسياسة، لا يميل لهذا ولا لذاك، لأن ولاءه الوحيد يجب أن يكون للحقيقة، فالكلمة حين تباع، تموت. وحين تقال بحرية، تعيد للأمم وعيَها المفقود.
المصدر : الراية القطرية
