الأمين العام السابق المهندس ادومو ولد عبدي ولد اجيد يكتب عن المال والسياسة

طالعت من حين لآخر ما يتناوله البعض حول إشكالية المال و السياسية الذي يأخذ حيرا كبيرا من اهتمام بعض وسائل الإعلام لا سيّما في المناسبات السياسية الوطنية.
و من دون شك أن هذه الإشكالية تستحق أن تُتناول بقدر كبير من الحكمة والتّبصر، خصوصا أننا نقف على أعتاب حوار سياسي واقتصادي واجتماعي وطني في ظرف متميز من تاريخ بلدنا ومحيطه الجيوسياسي.
من المؤكد أن المال بات المحرك الأول للحياة الاقتصادية، وهو ذو بعدين، فانعدامه الذي يؤدي إلى الفقر يضعف الإنسان ويعرضه للحاجة والذّل و سلب الحرية ووفرته التي تقود إلى الغنى، تعرض أصاحبها الي الاستكبار و الطغيان وهو ما يتعارض مع قيّم الحرية والعدالة والديمقراطية.
وإذا نظرنا إلى الصورة المثالية التي نطمح إليها في مجتمعنا، فإننا نصبوا إلى مجتمع تسوده العدالة في ظل إسلام حقيقي عُرفت به هذه المنطقة من حيث سلامة العقيدة، و الزهد في المظاهر المادية، بعيداً عن بعض الممارسات الظلامية التي حاربها الإسلام الذي جاء أصلاً لإرساء مبادئ العدالة الاجتماعية الراقية، القائمة على أسس واضحة ومعلومة. وقد ظهر هذا المبدأ بوضوح في ديباجة دستورنا، باعتباره مرجعية أساسية للقوانين والتشريعات التي تُعتمد لمعالجة مختلف القضايا الوطنية.
ومن هذا المنطلق، سبق أن نوقشت في مرحلة ماضية من حياتنا السياسية إشكالية الترشح المستقل، الذي قد يعني، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، فتح المجال أمام أصحاب المال للتنافس الانتخابي بإمكانات مادية كبيرة ولذلك تقرر حصر الترشحات داخل الأحزاب السياسية، أملاً في الحد من ظاهرة الاستخدام المفرط للمال للفوز بالمقاعد الانتخابية..
لكن، وللأسف، تفاجأ الجميع لاحقاً ببعض الممارسات غير الأخلاقية، من قبيل ظاهرة شراء الذمم و الحصول على مواقع متقدمة في اللوائح الانتخابية، فعاد المال السياسي إلى الواجهة وبقوة، وأصبحت بعض الأحزاب، في نظر المواطن، مجرد واجهات يتراجع فيها النضال الحقيقي و الإيمان بمبادى المشروع المجتمعي و يختفي المناضلون الحقيقيون عن مواقع الصدارة لصالح من يمتلك القدرة المالية..!
وللحد من ظاهرة أخرى مرتبطة بهذه الإشكالية، تم اعتماد مبدأ تحريم الترحال السياسي، على أساس أن المقعد أو المنصب الانتخابي يعود إلى الحزب الذي ترشح صاحبه باسمه، وأن تغيير الانتماء السياسي يترتب عليه فقدان المقعد أو استبدال صاحبه، غير أن تطبيق هذا المبدأ واجه صعوبات عملية وأدى في بعض الحالات، إلى الحد من نجاعة التعددية الحزبية لا سيما الحزب الذي يتبناه "الحاكم" الذي هو عرضة للخروج منه تارة و العودة إليه بعد الاقتراع مما يجعل الانضباط الحزبي على المحك، لأن الأحزاب السياسية لا تبنى على ضعف الذاكرة التي تعد من موجبات التشرذم والفوضى، أو على الأقل عدم الاهتمام بالنضال من أجل المبادئ مهما كانت تلك المبادئ.
وبما أننا على أبواب حوار وطني، فإن علينا أن نجتهد، من أجل الحد من هذه الظاهرة وغيرها من الظواهر المشابهة، بما يضمن وضوح الأدوار والمسؤوليات، ويجنب بلدنا "تداخل الوظائف والمصالح" خصوصاً في ظل ما يتداول حالياً في الساحة الوطنية، صدقاً كان أو مبالغة، من الحديث عن تورط بعض المشرّعين في الحصول على صفقات من الدولة، ومهما يكن من صحة هذه الأخبار من عدمها، فإن مجرد تداولها يخلق لدى المواطن التباسا حول الحدود الفاصلة بين ممارسة الوظيفة العامة والمصلحة الخاصة.
وهنالك أيضاً إشكالية أخرى لا تقل حساسية، تتمثل في اختلاط المال بالدين. وهي ظاهرة عرفناها منذ عقود، ولم تعد تخفى على أحد، حتى وإن غادر بعض أصحابها مواقفهم أو مواقعهم الأصلية.. ومن المنطقي، في بلد إسلامي مثل موريتانيا، أن يتعامل مع هذه المسألة بكثير من الحذر والوضوح، وأن يحافظ على قدسية العمل الديني والخيري، بعيداً عن توظيف المال في بناء النفوذ أو توسيع دوائر التبعية.
لقد أثارت التبرعات الأخيرة الموجهة إلى إخوتنا في غزة الكثير من التساؤلات لدى المواطنين حول بعض الممارسات التي يُفترض أن تظل في إطار البر والإحسان والعمل الخيري الطبيعي والسليم. وليس المقصود هنا التشكيك في أصل فعل الخير أو في نبل التضامن مع الأشقاء، وإنما الدعوة إلى مزيد من الشفافية والوضوح، حتى لا تختلط النيّات الحسنة بالمصالح الأخرى، وحتى يبقى العمل الخيري بعيداً عن أي توظيف سياسي أو نفوذ شخصي.
إن تجنب هذا الخلط ليس ترفاً سياسياً، بل هو شرط أساسي لحماية الديمقراطية، وتعزيز العدالة و ترسيخ الثقة بين المواطن ومؤسسات الدولة.
ومن هنا، فإن مسؤوليتنا جميعاً تكمن في أن تكون الحرية عاملاً للبناء، وأن يكون الاختلاف مصدر إثراء، وأن يتحول المال إلى وسيلة للتنمية وليس أداة للهيمنة، وأن تكون السياسة مجالاً لخدمة المجتمع بتثقيفه المستمر من أجل وحدته و تماسكه و تنميته ، لا وسيلة لامتلاكه والسيطرة عليه.
إدوم عبدي اجيد

.jpeg)