مفوضية الأمن الغذائي.. أربعة عقود من التدخل: هل نقيس ما أنفقناه أم ما غيّرناه؟

د محمد الأمين شريف أحمد.../ حين تكون لقمة العيش مرتبطة بقدرة الدولة على حماية الفئات الأكثر هشاشة، فإن الأمن الغذائي لا يعود مجرد ملف اجتماعي، بل يصبح اختباراً حقيقياً لكفاءة الدولة وعدالة سياساتها وقدرتها على تحويل المال العام إلى أثر ملموس في حياة المواطنين.
وفي موريتانيا، حيث خلّفت سنوات الجفاف والهشاشة الاقتصادية حاجة مستمرة إلى تدخل الدولة، أنشئت مفوضية الأمن الغذائي سنة 1982، وتطورت خلال أكثر من أربعة عقود من جهاز للتدخل في حالات الطوارئ إلى مؤسسة ذات أدوار واسعة تشمل الحماية الاجتماعية، ودعم القدرة الشرائية، وتكوين المخزونات الغذائية، والاستجابة للأزمات، ودعم الإنتاج والصمود، وتنفيذ برامج تستهدف الفئات الأكثر هشاشة.
وشكل المرسوم رقم 138/2021 الصادر في 25 أغسطس 2021 محطة مؤسسية مهمة، حين أعاد تنظيم المفوضية باعتبارها إدارة مهام بمستوى وزاري، مع انتشار جهوي يشمل مندوبية في كل ولاية، وهيكلة تضم إدارات متخصصة ومفتشية عامة ومجلس رقابة.
ومع اتساع مسؤوليات المفوضية ومواردها، لم يعد السؤال فقط: كم من الغذاء وُزّع وكم أسرة استفادت؟ بل أصبح السؤال الأهم: ما حجم الأثر الذي تحقق مقابل كل أوقية أُنفقت؟
حجم التدخل والموارد
تكشف أرقام السنوات الأخيرة عن اتساع حجم المسؤولية.
ففي 2025 استفادت 107.573 أسرة من تدخلات اجتماعية، منها 73.564 أسرة من توزيعات غذائية بإجمالي 4.781 طناً، و24.009 أسر من تحويلات نقدية لمدة أربعة أشهر بغلاف 2.774.202.000 أوقية قديمة، إضافة إلى 10.000 أسرة من النساء الحوامل والمرضعات استفدن من 550 طناً من المواد الغذائية. كما زُوّد 2.526 بنكاً للحبوب بـ 12.630 طناً من المواد الغذائية المدعومة.
وفي 2026 استهدفت عملية «عون» 155.408 أسر في جميع بلديات البلاد، بتوزيع نحو 20 ألف طن من الأرز والقمح والسكر والزيت والمعجونات، بينما تجاوز عدد المستفيدين من مكونتها النقدية 352 ألف أسرة، وتجاوزت كلفة العملية بمكونتيها الغذائية والنقدية 12 مليار أوقية قديمة.
أما الاعتمادات المدرجة للمفوضية، فقد ارتفعت من 1.076.427.263 أوقية جديدة سنة 2024 إلى 1.118.425.122 سنة 2025 ثم 1.170.285.798 سنة 2026، أي بزيادة نحو 93.9 مليون أوقية جديدة، وحوالي 8.7% بين 2024 و2026، منها 578.986.840 أوقية جديدة للصندوق الوطني للاستجابة للأزمات الغذائية والتغذوية.
وفي المقابل، صادق مجلس رقابة المفوضية سنة 2026 على مشروع ميزانية قدره 714.724.212 أوقية جديدة.
وهنا تبرز ضرورة أساسية في الشفافية المالية: توحيد نطاق عرض الأرقام والتمييز بوضوح بين ميزانية المفوضية، ومخصصات الصندوق الوطني، والبرامج الخاصة والتمويلات الخارجية، حتى تكون المقارنة المالية دقيقة ولا تختلط الاعتمادات الإجمالية بالبرامج أو المصادر التمويلية المختلفة.
من حجم الإنفاق إلى جودة التسيير والرقابة
إن ارتفاع الموارد واتساع البرامج لا يمثلان في حد ذاتهما نجاحاً، ما لم يصاحبهما ارتفاع مماثل في الكفاءة والنتائج. ولذلك ينبغي أن ينتقل تقييم التسيير المالي من مجرد قياس حجم الاعتمادات ونسبة تنفيذها إلى قياس ما أنتجته تلك الاعتمادات فعلياً.
فكل برنامج ينبغي أن يجيب عن أسئلة واضحة: كم أنفق؟ كم مستفيداً وصل إليه؟ ما تكلفة الوصول إلى المستفيد؟ ما نسبة التنفيذ؟ ما حجم الفاقد والهدر؟ وما الأثر الذي تحقق؟
وتزداد أهمية هذا التقييم بالنظر إلى طبيعة نشاط المفوضية، الذي يجمع بين المشتريات، والتخزين، والنقل، والتوزيع، والتحويلات النقدية، وإدارة برامج واسعة جغرافياً؛ وهي حلقات تحتاج جميعها إلى رقابة دقيقة ومتكاملة.
والرقابة المطلوبة لا تعني مضاعفة الإجراءات البيروقراطية، وإنما بناء منظومة حديثة تمنع الاختلال قبل وقوعه وتكشفه بسرعة إذا وقع، وذلك عبر رقمنة دورة الإنفاق والمشتريات والمخازن والتوزيع، وفصل الصلاحيات بين الطلب والشراء والاستلام والدفع، واعتماد أسعار مرجعية للمواد والنقل والتخزين، والجرد الدوري والمستقل للمخزون، ومطابقة الكميات المشتراة والمستلمة والموزعة، وربط المستفيدين بالسجل الاجتماعي، والتدقيق المستقل للبرامج ذات الإنفاق الكبير.
كما ينبغي تعزيز دور المفتشية العامة ومجلس الرقابة، مع نشر بيانات أساسية ومبسطة حول الميزانية، والصفقات، والتنفيذ، والمخزون، وعدد المستفيدين، والنتائج، وإخضاع البرامج الكبرى لتقييم لاحق يقارن الكلفة بالنتائج والأثر.
فالغاية ليست افتراض وجود فساد، وإنما حماية المال العام، وتقليص فرص الاختلال، وتحسين كفاءة الإنفاق، وجعل المسؤولية قابلة للتحديد والقياس.
وبذلك يصبح الانتقال من ميزانية الوسائل إلى ميزانية النتائج ضرورة؛ فلا يكفي أن نقول: «أنفقنا 100 مليون أوقية»، بل ينبغي أن نعرف كم أسرة استفادت، وكم بلغت تكلفة الأسرة، وما نسبة الوصول، وما حجم الهدر، وما الأثر الذي تحقق.
من إدارة الأزمات إلى معالجة أسباب الهشاشة
من الصعب إنكار الدور الذي تؤديه المفوضية في إدارة الأزمات والوصول إلى الفئات الهشة، كما أن امتلاكها شبكة وطنية من المندوبيات والمخازن وخبرة متراكمة في النقل والتوزيع يمنحها قدرة تنفيذية مهمة.
والأهم أن تدخلاتها بدأت تتجاوز المساعدة المباشرة إلى التعاونيات والمشاريع المدرة للدخل، ودعم المدخلات الزراعية والثروة الحيوانية وبناء الصمود. وهذه خطوة في الاتجاه الصحيح، لأن الأمن الغذائي المستدام لا يتحقق بالتوزيع وحده.
لكن التحدي الأكبر على المدى البعيد هو ألا تتحول المساعدة إلى حل دائم. فكلما أمكن، ينبغي توجيه جزء أكبر من الموارد نحو الإنتاج، والتعاونيات، والمشاريع المدرة للدخل، والمدخلات الزراعية، ودعم الثروة الحيوانية وبناء القدرة على الصمود.
فالنجاح الحقيقي ليس أن تحصل الأسرة نفسها على المساعدة كل عام، وإنما أن تساعدها الدولة، حيثما كان ذلك ممكناً، على الانتقال من:
الاحتياج → الإنتاج → الاستقلال الاقتصادي.
وهنا تتحول المفوضية من مؤسسة لإدارة آثار الهشاشة إلى أداة للمساهمة في معالجة أسبابها.
الخلاصة: الاستعداد قبل الأزمة وقياس الأثر بعدها
تمتلك مفوضية الأمن الغذائي اليوم الانتشار والخبرة والقدرة اللوجستية والموارد التي تؤهلها لأداء دور أكبر في الأمن الغذائي والحماية الاجتماعية. لكن المرحلة المقبلة تتطلب التركيز على رفع كفاءة الإنفاق، وتحسين قياس النتائج، وتعزيز الشفافية والرقابة، وتحويل جزء متزايد من التدخلات من معالجة الحاجة إلى بناء القدرة على تجاوزها.
ويزداد هذا التحدي أهمية مع ضعف موسم الأمطار هذا العام وما قد يترتب عليه من تراجع كبير في المراعي، وارتفاع كلفة الأعلاف، وضغوط إضافية على المنمين والثروة الحيوانية والأسر الريفية. لذلك ينبغي أن يكون الاستعداد مبكراً، عبر مخزونات غذائية وأعلاف كافية، وتوفير المياه، وتحديد المناطق الأكثر تعرضاً، وتحديث البيانات، وتجهيز تمويلات وخطط تدخل سريعة.
فالدولة القادرة ليست التي تتدخل بكفاءة بعد وقوع الأزمة فقط، وإنما التي تقرأ مؤشراتها مبكراً وتستعد لها وتقلل كلفتها قبل أن تصل إلى المواطن.
وفي النهاية، ليست المسألة أن تنفق الدولة أكثر، وإنما أن يصل الدعم إلى مستحقيه بأقل تكلفة وأكبر أثر، وأن تتحول الأوقية العمومية من مجرد إنفاق على الهشاشة إلى استثمار في الخروج منها.

.jpeg)