الصداقة.. بوابة الاقتصاد وسؤال المردودية

ميناء

هناك مؤسسات لا تُقاس أهميتها بحجم منشآتها، بل بحجم الاقتصاد الذي يمر عبرها وتأثيرها في حياة الناس. ومن أبرزها ميناء نواكشوط المستقل «ميناء الصداقة»، الذي تحول خلال أربعة عقود إلى شريان رئيسي للواردات والتجارة الخارجية، وأصبحت كفاءته مرتبطة مباشرة بأسعار الغذاء والمحروقات ومواد البناء، والأمن الغذائي، وإيرادات الدولة، والقدرة الشرائية وتنافسية الاقتصاد الوطني.

فالميناء ليس مجرد بوابة تدخل منها السلع؛ كلما انخفضت كلفة وزمن عبورها انعكس ذلك إيجاباً على الاقتصاد والأسعار، وكلما ارتفعت تكاليف الانتظار والمناولة والتخزين وتعقدت الإجراءات، انتقلت فاتورتها في النهاية إلى المستهلك. ومن هنا يصبح سؤال مردودية الميناء سؤالاً اقتصادياً ومعيشياً في آن واحد.

دخل الميناء الخدمة سنة 1986 بعد إنجازه في إطار التعاون الموريتاني الصيني، مانحاً العاصمة منفذاً بحرياً مباشراً، ثم توسع حتى أصبح أكبر ميناء تجاري في البلاد.

من أقل من 400 ألف طن إلى أكثر من 6 ملايين طن

ارتفعت حركة البضائع من أقل من 400 ألف طن سنة 1987 إلى نحو 5.31 ملايين طن سنة 2022، ثم 5.45 ملايين طن سنة 2023، قبل أن تتجاوز 6.1 ملايين طن سنة 2024.

وفي 2023 استقبل الميناء 826 سفينة، وبلغ نشاط الحاويات نحو 217 ألف حاوية مكافئة لعشرين قدماً. وتشير دراسة للأونكتاد إلى أن حركة الميناء تولد أكثر من 85% من الإيرادات الجمركية للبلاد، ما يوضح وزنه الاستثنائي في التجارة والمالية العامة.

ويمتلك الميناء 9 مواقع للرسو، منها 7 عمومية و2 خصوصية، وقناة دخول بعمق نحو 14.6 متراً وعرض 150 متراً، إضافة إلى رصيف متخصص للحاويات والمحروقات بطول 570 متراً أنجز في إطار شراكة بين القطاعين العام والخاص، مما عزز قدرته على استقبال السفن الكبيرة.

لكن المردودية لا تقاس بحجم البنية التحتية وحركة البضائع وحدهما؛ فكل يوم تنتظره سفينة، وكل يوم إضافي تبقى فيه حاوية، وكل تكلفة زائدة في المناولة أو التخزين والإجراءات، تدخل في كلفة السلعة وقد تصل إلى جيب المواطن. وبالمقابل، فإن تسريع التفريغ والتخليص وخفض تكاليف الخدمات المينائية يمكن أن ينعكس على الأسعار والقدرة الشرائية. ولذلك فإن رفع كفاءة الميناء جزء من تحسين الوضعية المعيشية.

نمو مالي.. لكن هل بلغنا أقصى مردودية؟

ارتفع رقم أعمال الميناء من نحو 1.3 مليار أوقية جديدة سنة 2022 إلى نحو 1.42 مليار سنة 2023، بزيادة تقارب 120 مليون أوقية، أي نحو 9.2%.

ويظهر تقرير محكمة الحسابات المتعلق بسنة 2023 أن المبلغ المتوقع تحصيله لصالح الدولة من الميناء بلغ نحو 500.43 مليون أوقية، بينما وصل المحصل فعلياً إلى نحو 622.45 مليون أوقية؛ أي بزيادة تقارب 122 مليون أوقية ونسبة إنجاز بلغت 124%.

وهي نتيجة إيجابية تستحق التثمين، لكنها تعيدنا إلى جوهر السؤال: هل تحصل موريتانيا على أقصى مردودية مالية واقتصادية ومعيشية ممكنة من منشأة تمر عبرها أكثر من ستة ملايين طن سنوياً؟

الميزانية.. المردودية لا يمكن قياسها دون معرفة الإنفاق

تواجه الإجابة عن هذا السؤال عقبة أساسية؛ إذ يتعذر، من خلال المعلومات المنشورة والمتاحة للعموم، الاطلاع بصورة واضحة ومفصلة على ميزانيات الميناء خلال السنتين الأخيرتين ومجالات إنفاقها.

فالمتاح يكشف بعض مؤشرات النشاط ورقم الأعمال والمبالغ المحصلة لصالح الدولة، لكنه لا يقدم صورة متكاملة عن حجم الميزانية، ونفقات التسيير، وكتلة الأجور، والمشتريات، والاستثمارات والصيانة، والديون والمستحقات، والعقود والامتيازات، والنتيجة الصافية والسيولة، ولا يسمح بمقارنة دقيقة بين الاعتمادات المرصودة وما نُفذ فعلياً.

وهذا النقص في المعلومات لا يثبت سوء التسيير، لكنه يحول دون قياس كفاءته ومردوديته بصورة دقيقة؛ فلا يكفي أن نسأل: كم حصل الميناء؟ بل ينبغي أن نعرف أيضاً: كم أنفق؟ وأين أنفق؟ وما العائد الذي حققه كل مليار أنفقه؟

والميناء مؤسسة عمومية ذات طابع صناعي وتجاري، تعرض برنامجها الاستثماري ومقتنياتها وتجهيزاتها ضمن ميزانية سنوية يصادق عليها مجلس الإدارة وتخضع للوصايتين الفنية والمالية. لكن حجمها وتأثيرها في الاقتصاد يقتضيان إتاحة أوسع لحساباتها وتقارير تنفيذ ميزانياتها، حتى تصبح الشفافية أداة لقياس المردودية وحماية المال العام.

إنجازات مهمة.. والرقابة تحمي المردودية

من الإنصاف تسجيل نمو حركة الميناء ورقم أعماله، وتجاوز مساهمته المحصلة لصالح الدولة توقعات 2023، وتوسيع بنيته التحتية وتحديث خدمات الحاويات.

كما مثلت إعادة التفاوض بشأن اتفاقية رصيف الحاويات نموذجاً مهماً للدفاع عن المصلحة العامة، إذ أعلنت الحكومة أن مراجعتها حققت للدولة والفاعلين الوطنيين مكاسب مالية كبيرة على امتداد فترة الاتفاقية.

لكن حجم الأموال والمصالح التي تمر عبر الميناء يجعل الرقابة المالية الصارمة ضرورة، تشمل الميناء والمنظومة المحيطة به، خصوصاً الجمارك والمناولة والتخزين والامتيازات والعقود.

وقد سجل تقرير سابق لمحكمة الحسابات عن مكتب جمارك الحاويات بالميناء اختلالات مرتبطة بالرقابة والإجراءات والضمانات والتصريحات الجمركية، مما يعزز الحاجة إلى منظومة رقمية تمنع التسرب المالي قبل وقوعه، بدلاً من اكتشافه بعد سنوات.

كيف نعظم مردودية الميناء؟

المرحلة المقبلة تحتاج إلى الانتقال من مجرد تسيير الميناء إلى قياس مردوديته المالية والاقتصادية والمعيشية، عبر ثمانية إجراءات مترابطة:

1.    نشر تقرير مالي سنوي مدقق يتضمن الميزانية والإيرادات والنفقات والاستثمارات والديون والنتيجة الصافية والمساهمة في الخزينة، ومقارنتها بالسنوات السابقة.

2.    إنشاء لوحة أداء شهرية رقمية تعرض عدد السفن والبضائع والحاويات، وزمن انتظار السفن وبقاء الحاويات، والإيراد لكل طن وسفينة، ونسبة إشغال الأرصفة.

3.    رقمنة المسار التجاري بالكامل، من وصول السفينة إلى خروج البضاعة، وربط الميناء والجمارك والضرائب والمصارف ووكلاء الشحن والمناولة في نافذة موحدة تقلل الوقت والاحتكاك البشري وفرص التلاعب.

4.    مراجعة الرسوم والتكاليف ومقارنتها بالموانئ المنافسة؛ لأن المردودية لا تعني رفع الرسوم فقط، بل خفض تكلفة مرور السلعة بما يساعد على خفض الأسعار، وزيادة النشاط وجذب خطوط ملاحية جديدة.

5.    تقييم العقود والامتيازات الكبرى دورياً وفق عائدها على الدولة، وقدرتها على خفض تكلفة المستورد وأثرها النهائي على أسعار المستهلك، مع نشر معلوماتها الأساسية في حدود القانون.

6.    ضبط نفقات التسيير والمشتريات وربط نموها بالنشاط، وقياس تكلفة معالجة الطن والحاوية ونسبة تكلفة الموظف إلى رقم الأعمال.

7.    تعزيز التدقيق الداخلي وإدارة المخاطر لمراقبة المشتريات والتحصيل والمخازن والعقود والامتيازات والديون المستحقة، مع تقارير دورية لمجلس الإدارة.

8.    تحويل الميناء إلى منصة إقليمية عبر المناطق اللوجستية والمستودعات الحديثة وربطه بمحاور النقل البري واستهداف تجارة الترانزيت نحو مالي ودول الساحل، لتتحول موريتانيا من مستورد للخدمات اللوجستية إلى مصدر لها.

الخلاصة.. مردودية الميناء تقاس أيضاً في جيب المواطن

بعد أربعة عقود، أثبت ميناء الصداقة نجاحه ومكانته؛ لكن السؤال اليوم هو: هل تحصل موريتانيا والمواطن على أقصى عائد ممكن من بوابة اقتصادها الرئيسية؟

فميناء يتعامل مع أكثر من 6 ملايين طن سنوياً، وترتبط حركته بأكثر من 85% من الإيرادات الجمركية، لا ينبغي قياس نجاحه بحجم البضائع ورقم الأعمال فقط، وإنما أيضاً بسرعة مرور السلعة، وكلفة وصولها إلى السوق، وما يورده للخزينة، وكفاءة كل أوقية ينفقها، وأثر ذلك كله في الأسعار والقدرة الشرائية.

لقد نجحت موريتانيا في بناء الميناء وتوسيعه، وحان وقت تعظيم مردوديته وإتاحة ميزانياته وحساباته ومجالات إنفاق موارده بصورة أوضح؛ حتى تصبح كل سفينة فرصة، وكل حاوية مورداً، وكل طن قيمة مضافة، وكل أوقية قابلة للقياس والتتبع والرقابة.

فالميناء الكفؤ لا يزيد إيرادات الدولة فقط؛ بل يخفض كلفة التجارة، ويدعم استقرار الأسعار، ويحسن القدرة الشرائية، ويجذب الاستثمار. أما ارتفاع تكاليفه وبطء إجراءاته، فإن فاتورتهما لا تتوقف عند بوابة الميناء، بل تصل في النهاية إلى المواطن.

د محمد الأمين شريف أحمد...

9 September 2026