الحسين ولد مدو.. عندما يغادر المسؤول ويبقى الأثر/ احمد عيسى اليدالي

غادر الدكتور الحسين ولد مدو الحكومة، لكنه يغادر بعد مرحلة شهد فيها قطاع الثقافة والفنون والاتصال والعلاقات مع البرلمان ديناميكية ملحوظة على أكثر من صعيد. وخلال الفترة التي تشرفت فيها بالعمل إلى جانبه، عرفت رجلاً يجمع بين التكوين الأكاديمي العميق والخبرة الإعلامية الطويلة والقدرة على الإصغاء للآخرين، وهي صفات نادرة في العمل العام.
جاء الحسين ولد مدو إلى الوزارة بعد مسار مهني طويل في الصحافة والإعلام والتدريس الجامعي وإدارة الهيئات التنظيمية والنقابيّة، وهو ما منحه فهماً دقيقاً لتحديات القطاع واحتياجات مختلف الفاعلين فيه. وقد انعكس ذلك في أسلوبه في التسيير وفي طبيعة الأولويات التي عمل على تجسيدها. 
على مستوى الإعلام والاتصال، شهد القطاع تقدماً في عدد من الملفات الهيكلية، من أبرزها استكمال الإصلاحات المتعلقة بتنظيم المهنة وتعزيز الإطار القانوني للصحافة المهنية، فضلاً عن متابعة تنفيذ تسوية وضعية آلاف المتعاونين في مؤسسات الإعلام العمومي، وهو ملف ظل مطروحاً لعقود قبل أن يعرف تقدماً ملموساً خلال هذه المرحلة. 
وفي المجال الثقافي، عمل الوزير على توسيع النشاط الثقافي خارج العاصمة، إيماناً منه بأن الثقافة ليست امتيازاً جغرافياً يقتصر على نواكشوط، بل حق لجميع المواطنين. وقد تجسدت هذه الرؤية في دعم الفعاليات الجهوية والثقافية، وإطلاق مبادرات لتشجيع الإبداع وإبراز التراث الوطني بمختلف روافده، إلى جانب الدفع بمشاريع ثقافية كبرى تهدف إلى تعزيز البنية التحتية الثقافية وحفظ الذاكرة الوطنية وصون التراث المادي وغير المادي. 
كما تميزت هذه المرحلة بحضور ثقافي ودبلوماسي لافت لموريتانيا في المحافل الدولية، حيث شاركت بلادنا بفعالية في عدد من المنتديات والمؤتمرات الكبرى، وتم تعزيز علاقات التعاون الثقافي مع دول ومنظمات عديدة، بما يسهم في التعريف بالموروث الثقافي الموريتاني وفتح آفاق جديدة للشراكات والتبادل الثقافي. 
غير أن الحديث عن الحصيلة المؤسسية لا يكتمل دون الحديث عن الإنسان. فمن أبرز ما يميز الدكتور الحسين ولد مدو تواضعه وقربه من العاملين معه. فعلى الرغم من المسؤوليات الكبيرة التي تحملها، ظل متاحاً للاستماع والنقاش، حريصاً على احترام الجميع دون تمييز، مؤمناً بأن الإدارة الناجحة تقوم على العمل الجماعي لا على صناعة الحواجز.
وكان تقديره لأهل العلم والفكر والأدب والفن سمة واضحة في سلوكه اليومي وفي خياراته المهنية. فقد ظل ينظر إلى المثقفين والفنانين والإعلاميين باعتبارهم شركاء في بناء الوعي الوطني وترسيخ قيم المواطنة والوحدة والاعتدال. ولذلك وجد كثير من المبدعين والمثقفين في عهده آذاناً صاغية وقنوات تواصل مفتوحة.
أما قدراته الخطابية والفكرية، فقد جعلته من أبرز الوجوه الحكومية حضوراً في الفضاء العمومي. إذ جمع بين عمق الفكرة وسلاسة العبارة، وبين القدرة على الإقناع واحترام الرأي المخالف، مستفيداً من خلفيته الأكاديمية والإعلامية الطويلة. 
لقد كان من السهل على من عمل معه أن يلاحظ حرصه على ترسيخ قيم الجدية والانضباط والنزاهة واحترام الكفاءة داخل المؤسسات التابعة للقطاع، وهي قيم ظل يؤكد عليها في خطاباته ولقاءاته مع العاملين منذ الأيام الأولى لتوليه المسؤولية. 
واليوم، وبعد خروجه من الحكومة، يبقى الحكم النهائي للتاريخ وللرأي العام. غير أن من الإنصاف القول إن الرجل غادر وقد ترك بصمات واضحة في ملفات الثقافة والإعلام والاتصال، وأسهم في إعطاء القطاع حضوراً أكبر على المستويين الوطني والدولي، كما غادر محتفظاً باحترام كثير من العاملين معه وممن عرفوه عن قرب.
وإلى جانب مسؤولياته القطاعية، اضطلع الدكتور الحسين ولد مدو بدور محوري في شرح السياسات العمومية والدفاع عن الخيارات الوطنية الكبرى التي تبناها برنامج فخامة رئيس الجمهورية محمد ولد الشيخ الغزواني. وبصفته ناطقاً باسم الحكومة، كان أحد أبرز الوجوه التي حملت إلى الرأي العام حصيلة الإنجازات والإصلاحات، موضحاً أهدافها وخلفياتها ومراحل تنفيذها. وقد تميز في هذا الدور بقدرته على الجمع بين المعطى الدقيق واللغة المقنعة، مساهماً في تعزيز التواصل بين الحكومة والمواطنين، والدفاع عن برنامج "طموحي للوطن" وما تضمنه من مشاريع وإصلاحات في مختلف المجالات. كما شكل خلال فترة حكومة معالي الوزير الأول المختار ولد جاي صوتاً سياسياً وإعلامياً واثقاً، حاضراً في المؤتمرات الصحفية واللقاءات الإعلامية، مدافعاً عن أداء الحكومة ومنجزاتها، ومجسداً لنهج يقوم على الشرح والإقناع والحوار المسؤول.
وإذا كانت المناصب تكليفاً مؤقتاً، فإن بعض الرجال يغادرون مواقع المسؤولية وقد تركوا وراءهم مؤسسات أكثر حيوية، وملفات أكثر تقدماً، وصورة إنسانية ومهنية يصعب أن ينال منها تعاقب المواقع وتبدل الظروف. ومن هذا الصنف، في تقديري، الدكتور الحسين ولد مدو الذي جمع بين خدمة الدولة واحترام الناس، وبين الوفاء لقناعاته والتواضع في التعامل مع الجميع.

.jpeg)