انسحاب القوات الأمريكية من النيجر.. إبدال شريك بشريك

أخيرا بدأت الولايات المتحدة الأمريكية سحب قواتها من النيجر، وبحسب بيان صادر عن الطرفين النيجري والأمريكي، فإنه منذ توقيع اتفاق الانسحاب في 19 من مايو الماضي، غادر أزيد من 269 جنديا أميركيا من أصل 946 البلاد.
وينتظر أن يكتمل انسحاب الجنود والمعدات في أجل أقصاه منتصف سبتمبر المقبل، وبذلك تكون النيجر في عهد الجنرال عبد الرحمن تياني ورفاقه الذين انقلبوا على الرئيس المدني محمد بازوم، قد طردوا القوات الفرنسية والأمريكية من الأراضي النيجرية.
ولكن الأمر في حقيقته، ليس ثورة على القوات الأجنبية الغربية، ولا صحوة جديدة نحو تملك الفعل السيادي الذاتي، وإنما يعني بكل بساطة إبدال شريك بشريك.
فالعسكريون المنتفضون ضد “الاستعمار الجديد” والوجود العسكري الأجنبي في بلادهم، تحالفوا مع روسيا، وفتحوا الباب أمام قواتها، وقد نشرت موسكو عددا من الجنود بنيامي، كما قدمت لها بعض المعدات العسكرية.
وسيناريو النيجر تكرر من قبل في جارتيها المنتميتين وإياها لتحالف دول الساحل، مع وجود استثناء جزئي، حيث إن مالي كانت بها قوات فرنسية وأخرى أممية، وبوركينا فاسو كانت بها فقط قوات فرنسية.
لكن البلدان الثلاثة بقيادة مالي – باعتبارها كانت السباقة إلى الانقلاب على الراحل إبراهيم بوبكر كيتا ولاحقا على باه نداو – تشترك في القرب من روسيا والتحالف معها.
ويبدو أن تشاد تتجه نحو تقفي ذات الخطى على طريقتها، فقبل فترة دعت القوات الأمريكية إلى المغادرة، وتقاربت مع روسيا، من خلال زيارة وصفت بالتاريخية للرئيس الجنرال محمد إدريس ديبي إتنو إلى موسكو في يناير الماضي، واستقبال نجامينا مؤخرا وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف.
وقبل زيارة لافروف إلى تشاد بأيام، أعلنت وزارة الدفاع الروسية أن قوات روسية بالمنطقة نفذت بالتعاون مع الجيش تشادي عملية عسكرية، مكنت من تحرير 21 جنديا تشاديا كانوا مختطفين لدى مجموعة مسلحة منذ 9 شهور.
ولكن كان لافتا في تصريح أدلى به لافروف للصحافة في تشاد قوله إن صداقات موسكو مع نجامينا، لن تؤثر علاقاتها مع باريس، مؤكدا على استمرار اتفاقيات التعاون العسكري القائمة بين بلاده وتشاد.
ويفهم من تصريح رئيس الدبلوماسية الروسية، أن تشاد لا تريد طرد القوات الفرنسية، وإنما تسعى لشراكة متعددة الأطراف، طبقا لمصالحها وأولوياتها.
وتواصل روسيا خصوصا في ظل الحصار الغربي المفروض عليها بسبب حربها على أوكرانيا، مساعي تعزيز حضورها في إفريقيا، وتضييق الخناق على الحضور الغربي فيها.
وقد شكلت جولة لافروف الأخيرة امتدادا لهذا المسعى، حيث عرض على قادة البلدان الأربعة التي زارها، وهي غينيا كوناكري، والكونغو برازافيل، وبوركينا فاسو، وتشاد، التعاون مع موسكو اقتصاديا وتجاريا وأمنيا.
وتريد روسيا بتسارع وتيرة تحركها الإفريقي، أن لا يكون حضورها مقتصرا فقط على الدول التي تشهد انقلابات عسكرية، وإنما تريد توسيع المداخل وتنويع الشراكات، ولذلك فإنها تكثف إيفاد المسؤولين إلى القارة الإفريقية.
وإزاء تنامي الحضور الروسي بإفريقيا، تعزز الاهتمام الأمريكي بالقارة في عهد الرئيس جو بايدن مقارنة بدونالد ترامب، رغم أن الاثنين لم يزر أي منهما بلدا إفريقيا عكس الرئيس الأسبق باراك أوباما.
ولكن بايدن استضاف قمة مع إفريقيا، وزار عدد من مسؤولي إدارته دولا إفريقية مختلفة، وتم في مناسبات عدة تأكيد أن واشنطن تريد الدخول في شراكة اقتصادية وتجارية مع القارة الإفريقية.
ويعكس ذلك أن الولايات المتحدة الأمريكية لا تريد للصين ولا روسيا الاستئثار بإفريقيا، ولذلك دخلت مضمار التنافس، من خلال اعتماد أسس للشراكة تراها مختلفة، تقوم على الديمقراطية والحقوق، وعدم إغراق القارة بالديون.
كما أن فرنسا المتراجع نفوذها إفريقيا، مازالت تستقبل الرؤساء الأفارقة، ومازال مسؤولوها يتجولون في القارة بحثا عن شراكات جديدة، تحفظ لها نوعا من الحضور في ظل التنافس الدولي القوي على القارة السمراء.

 

بقلم محفوظ ولد السالك كاتب متخصص في الشؤون الإفريقية

9 June 2024