الطينطان.. سكان قرية دقفك يشكون العطش والتهميش (رسالة)

نص الرسالة
بسم الله الرحمن الرحيم
رسالة مفتوحة إلى فخامة رئيس الجمهورية
فخامة رئيس الجمهورية، السيد محمد ولد الشيخ الغزواني،
تحية إجلال واحترام، وبعد،
نرفع إليكم هذه الرسالة، لا طلبًا لرفاهية زائدة، ولا سعياً وراء امتيازات خاصة، وإنما استغاثة باسم خمسة آلاف نسمة من أبناء قرية دقفك، تلك القرية العريقة الواقعة في بلدية اعوينات الطل بمقاطعة الطينطان، والتي لم تحظَ عبر العقود الماضية إلا بالنسيان، ولم يكن لها من نصيب التنمية سوى التهميش والتجاهل.
فخامة الرئيس،
إن الحديث عن معاناة هذه القرية أشبه بالكشف عن جرح مفتوح لا يلتئم، وجع متجدد لا يندمل. إنها قرية تسكنها الحياة، لكن الحياة فيها باتت أقرب إلى الكفاف، بل إلى المعاناة المستمرة التي تحاصر أهلها من كل جانب، وتدفعهم، يوماً بعد يوم، نحو خيار الرحيل عن أرضهم، بعدما عجزوا عن العثور فيها على أبسط مقومات البقاء الكريم.
التعليم: جيلٌ بلا مستقبل
في قلب القرية تقف مدرسة ابتدائية مكوّنة من طابقين، تبدو للوهلة الأولى صرحًا تعليميًا واعدًا، لكنها في الواقع مجرد هيكل بلا روح، إذ لا يوجد بها معلم واحد سوى “مدير” يتولى كل شيء، في مشهد يجسد انهيار منظومة التعليم في أبسط صورها. العام الماضي، ترشح 24 تلميذًا لامتحان دخول السنة الأولى إعدادية، لم ينجح منهم أحد. كان الفشل صادمًا، لكنه لم يكن مفاجئًا، فقد صار هذا المصير قدرًا يتكرر عامًا بعد عام، دون أن يلفت انتباه المعنيين أو يحرك فيهم حس المسؤولية.
أهالي القرية لا يطلبون المستحيل، كل ما يرجونه هو أن يحصل أبناؤهم على معلمين، فقط معلمين، ليتمكنوا من تلقي التعليم كما يحق لأي طفل في هذا الوطن.
الماء: عطشٌ في زمن السدود
كيف يمكن أن تكون هناك حياة دون ماء؟ وكيف يمكن لألف بيتٍ أن يعتمد على خزان وحيد، يوصف بأنه بسعة 200 طن، لكنه في الحقيقة أشبه بوهمٍ كبير؟ الماء في دقفك لا يصل إلى جميع البيوت، وإن وصل، فهو بالكاد يأتي بعد يومين أو ثلاثة، ولا يصل إلا إلى منازل معينة، فيما يظل أغلب السكان في انتظار السراب، أو يجوبون الآفاق بحثًا عن قطرة تروي ظمأهم.
لقد باتت أزمة العطش تهديدًا وجوديًا للقرية، حتى صار البعض يفكر في الرحيل عنها نهائيًا، فكيف لأهلها أن يبقوا في أرضٍ لا يجدون فيها شربة ماء؟
الكهرباء: وعد لم يُوفَ به
في عالم أصبحت الكهرباء فيه معيارًا أساسيًا للحياة والتنمية، لا يزال سكان دقفك يعيشون في الظلام، لم يحلموا بالكهرباء يومًا، ولم يتوقعوا أن تأتيهم، حتى جاءتهم بعثة حكومية منذ فترة، وأخبرتهم بأنها تنوي إقامة محطة كهربائية في القرية. كانت الفرحة غامرة، وأيقن الناس أن فجرًا جديدًا قد يبزغ في أفقهم المعتم، لكن الأيام مرت، ثم الشهور، ولم يحدث شيء. تحول الوعد إلى ذكرى، وتحولت الفرحة إلى خيبة أمل جديدة تضاف إلى سجل الإهمال الطويل.
الصحة: مريضٌ بلا طبيب
في دقفك، لا يوجد مستشفى، ولا حتى مركز صحي، بل مجرد نقطة صحية وحيدة، يعمل بها ممرض واحد، يتولى معالجة الآلاف من المرضى، في مهمة تفوق طاقته وقدرته بكثير. ليس في القرية طبيب، ولا معدات طبية، ولا حتى سيارة إسعاف لنقل الحالات الحرجة. حين يمرض أحد السكان، فإن عليه أن يواجه مصيره في صمت، أو يخوض رحلة شاقة إلى الطينطان، قد يصل في الوقت المناسب، وقد لا يصل أبدًا.
الطريق: عزلة في قلب الوطن
رغم أن القرية تبعد 60 كلم فقط عن مقاطعة الطينطان، إلا أنها معزولة تمامًا عن العالم، فلا يوجد طريق معبّد يربطها بها، ما يجعل التنقل صعبًا، خاصة في موسم الأمطار حيث تتحول المسالك الترابية إلى مستنقعات وعوائق لا يمكن تجاوزها. في الحالات الطارئة، يكون الطريق الطويل أشبه بحكم بالإعدام، حيث يتعذر نقل المرضى والنساء الحوامل في الوقت المناسب، ويصبح الوصول إلى المستشفى مغامرة محفوفة بالمخاطر.
الاتصالات: عزلة فوق العزلة
في زمن أصبحت فيه الهواتف وسيلة أساسية للتواصل وإنجاز المعاملات، لا تزال قرية دقفك تعيش في عزلة اتصالية تامة. الشبكة ضعيفة إلى حد العدم، ولا يمكن للسكان إجراء مكالمة إلا إذا رفعوا هواتفهم في الهواء، أو تسلقوا الأشجار بحثًا عن إشارة عابرة.
الأمن: خوفٌ بلا حماية
الأمن ليس رفاهية، بل هو ضرورة أساسية لاستمرار الحياة. في دقفك، الأمن هش، والجريمة في تزايد، خاصة في فصل الخريف والمناسبات الاجتماعية، حيث تكثر السرقات، بل وصلت في بعض الأحيان إلى الاعتداء على الأرواح. رغم هذه التحديات، لا توجد في القرية فرقة للدرك الوطني، مما يجعل السكان في مواجهة مفتوحة مع المخاطر، دون أي حماية حقيقية.
مطالبنا: حقٌ وليس منّة
فخامة الرئيس،
لا نطلب إلا حقوقنا الأساسية، وهي حقوق لا ينبغي أن تكون محل مساومة أو تأجيل. لذا، فإننا نناشدكم بما يلي:
1. إعلان قرية دقفك بلدية مستقلة، تتبعها القرى المجاورة، وذلك بالنظر إلى كثافتها السكانية وأهميتها في المنطقة.
2. إنشاء طريق معبّد يربطها بالمقاطعة، لإنهاء عزلتها وتسهيل تنقل سكانها.
3. توفير المياه الصالحة للشرب بشكل منتظم، لحماية السكان من أزمة العطش القاتلة.
4. توفير الكهرباء، تفعيل مشروع المحطة الكهربائية المتعثر.
5. تزويد المدرسة بالمعلمين لإنقاذ مستقبل الأطفال.
6. إنشاء مركز صحي مجهز بطبيب وسيارة إسعاف، لتقديم الخدمات الطبية الأساسية.
7. إقامة مركز للدرك الوطني لتعزيز الأمن والاستقرار.
8. تحسين خدمات الاتصالات، وربط القرية بشبكة اتصال قوية.
فخامة الرئيس،
إننا نؤمن بعدالتكم وحرصكم على تحقيق التنمية المتوازنة بين جميع مناطق الوطن، ونرجو أن تجد رسالتنا هذه صدى في قلوبكم وقلوب المعنيين، قبل أن تضطر قرية دقفك إلى أن تودّع أهلها واحدًا تلو الآخر، هجرةً أو نزوحًا أو استسلامًا لليأس.
والله ولي التوفيق
