نص كلمة سعادة السفير بمناسبة الملتقى الثاني لخريجي المغرب

ألقى السفير المغربي في نواكشوط خطابا مساء اليوم الجمعة أشاد خلاله بالعلاقات المتميزة والوشائج الأخوية القوية التي تجمع موريتانيا والمغرب.

وهذا نص الخطاب:

كلمة سعادة السفير بمناسبة الملتقى الثاني لخريجي المغرب

نواكشوط 21 مارس 2025.

 

معالي وزير التَّحَوُّل الرقمي وعَصْرنة الإدارة، 

معالي وزير تمكين الشباب والرياضة والخدمة المدنية،

أصحاب السعادة السفراء وممثلي البعثات الدبلوماسية،

السيدات والسادة النواب المحترمون،

السادة ممثلي الوكالة المغربية للتعاون الدولي والوكالة البلجيكية للتعاونEnabel،

السيد ممثل مفوضية الاتحاد الأوربي بنواكشوط،

الإخوة والأخوات خريجي المغرب،

السيدات والسادة ممثلي وسائل الإعلام

أيها الحضور الكريم

يَطِيبُ لِي  أن أبارك لكم العشر الأواخر من شهر رمضان الكريم، سائلا العلي القدير أن يتقبل منا الصيام والقيام . سعيد بأن أُشارِكَكُم هذا الملتقى العِلْمي الذي يجمع نُخبة من خريجي المملكة المغربية مع خبراء ومتخصصين حول موضوع من الأهمية بِمَكان ألا وهو دور الذكاء الاصطناعي كرافعة لِرِيادة الأعمال بإفريقيا.

لا يَخْفى عليكم أنه بِالنظر للتحديات المختلفة التي تواجهها قارتنا الأفريقية، فَإنَّ تطبيقات الذكاء الاصطناعي تُشَكِّل فرصة لبُلداننا وللشباب الأفريقي بالخصوص لتجاوز العوائق التي تَحُولُ دُون تحقيق تنمية سوسيواقتصادية شاملة بأفريقيا.

إذا كانت أفريقيا قد أَخْلَفَتْ موعِدَها مع الثَّوْرتين الزراعية والصناعية، فلا يحق لها أن تَفْشل في الثورة الرقمية ورِهان الذكاء الاصطناعي.ولا بَأسَ هنا بالتذكير ببعض الأرقام والمؤشرات التي تُبَيِّنُ أهمية القارة الأفريقية حاضرا ومستقبلا:

  • 1.5 مليار نَسَمَة هو تِعْداد سكان أفريقيا في 2024، ويُتَوقع أنْ يتضاعف هذا التعداد إلى 3 مليارات نسمة في أُفُق2050مُشَكِّلاً بذلك رُبُعُ سكان العالم.
  •  60 بِالمئة من الساكنة الأفريقية لا يتجاوز سِنّها 25 سنة.
  • تمتلك القارة الأفريقية 30 بِالمئة من احتياطي المعادن في العالم، وأكثر من 80 بِالمئة من احتياطِي الفوسفاط في العالم (70 بِالمئة فيها متواجدة بالمغرب) بالإضافة إلى معادن أخرى كالذهب والكوبالت ومصادر الطاقة،
  • تتوفر القارة على احتياطات هامة من المعادن والأَترِبة النادرة الضرورية لتطوير التكنولوجيات الحديثة.

إن الأدَبِيّات المتعلقة بالذكاء الاصطناعي وعلاقتها بالتنمية  تُجْمِعُ على أنَّ تطبيقات هذا الذكاء في مجالات التربية والتكوين والصحة والزراعة والمجالات المالية والبنكية والخدمات العمومية، يُعْطي فرصة للدول النَّامِية لتجاوز الهُوَة التنموية ولكي تنجح في التغلُّب على النقص البِنيوي في البِنْيات التحتية والموارد البشرية. وتَتَوَقعُ العديد من الدراسات أنْ يُساهم الذكاء الاصطناعي من رفع الناتج الداخلي الإجمالي العالمي بنسبة 14 بِالمئة بحلول سنة 2030 والمُتَوقع أن يساهم في تحقيق 79 بِالمئة من أهداف التنمية المستدامة في أُفُقِ 2030.

على سبيل المِثال، ستسمح تطبيقات الذكاء الاصطناعي في مجال التربية والتكوين عبر (تطبيقات تقيِيم الطلبة، تطبيقات التعلُّم وتبسيط العلوم، تطبيقات الترجمة الفورية التي تُتيح الولوج إلى الأبحاث العلمية بلغات مختلفة.. إلخ) بِتجاوزِ النقصِ في الموارد البشرية والبِنْيات الجامعية في دول أفريقيا. كما أنّ تطبيقاته في مجال الصحة ستُساهِم في الحدِّ من الأَوْبِئَة والأمراض عبر تطبيقات التشخيص الطبي وتطبيقات الإنذار وتدبير الأَوْبِئَة. في مجالات الفلاحة، شَرَعَتْ دول أفريقية في استعمال تطبيقات الذكاء الاصطناعي في مجالات تدبير نُدْرة المياه والتوقّعات المناخية وتحليلات التُّرْبة مِمّا يساهم في رفع المردودية الفلاحية والاستجابة لِمُتطلبات الأمن الغذائي. كما يُعتبر الذكاء الاصطناعي وسيلةً فَعّالةً في المساعدة على اتخاذ القرار في المجالات المالية والبَنْكية بما يساهم في فعالية ومردودية قرارات الاستثمار مما يُؤَثِّر إيجابا على الدورة الاقتصادية.

ولكن، كما يَعرف الجميع يبقى التحدي الأكبر الذي يواجه الشباب الأفريقي لتفعيل الذكاء الاصطناعي كرافعة للتنمية ورِيادة الأعمال هو السِّيادة الرقمية التي تَعني فيما تَعنيه التَّحَكم في قواعد المُعْطيات، حيث أنه بدون هذه المعطيات لا وجود للذكاء الاصطناعي. تلك المُعْطيات الضخمة big dataأصبحت هي البديل عن المواد الخام التقليدية (المعادن والطاقة الأُحفورية) وأصبحت بذلك تُشَكِّل رِهاناً جيواستراتيجيا واقتصاديا وأمنيا بل وحتى أخلاقيا للقرن الواحد والعشرين، سواءٌ من حيثُ إنتاجُها وتخزينُها أواستغلالها والتصرف فيها. ولا يَخْفى عليكم حجم المنافسة وشَرَاستها بين الدول العظمى لِلاستِئْثار بهذه المعطيات والاستفادة من عوائدها الاقتصادية بل وحتى العسكرية والأمنية.

وتبقى أمام أفريقيا والشباب الأفريقي مُعيقاتٌ لرفع رِهان السيادة الرقمية بسبب ضعف البِنْية التحتية الرقمية وضعف الولوج إلى الأنترنت، بالإضافة إلى نقص في الأُطر البشرية وضعف التمويلات المخصصة للمقاولات الرقمية.

ووعياً منه بهذه الرِّهانات، اعتمد المغرب، على سبيل المثال، إستراتيجية متوازنة تجمع بين الاستفادة من امتيازات الذكاء الاصطناعي العالمي وتطوير القدرات المَحَلية والسيادية. مقاربة تُمكِّن من توفير خَدَمات الذكاء الاصطناعي لكي يستفيد منها جميع المواطنين بشكل آمن وأخلاقي ودامج. في مجال السيادة الرقمية أنشأ المغرب مركز لتخزين المعطيات يعد الأضخم في أفريقيا بقدرة تُضاهي 3.1بِيتافْلُوبْسْ PETAFLOPS كما سَنَّ تشريعات وقوانين وطَوَّر مراكز بحث على غرار المركز المغربي للذكاء الاصطناعي التابع لجامعة محمد السادس متعددة التخصصات. كما طَوَّر المغرب مشاريع رائدة في مجال الذكاء الاصطناعي على غرار المدن الذكية، حيث تَستعمِل تقنيات الذكاء الاصطناعي في تدبيرالموارد الحضرية وتأمين انسيابية النقل الحضري.

على الصعيد الدولي، بادَر المغرب إلى جانب الولايات المتحدة الأمريكية في اقتراح وتَبَنِّي أول قرار للأمم المتحدة في موضوع الذكاء الاصطناعي في 21 مارس 2024(قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة حول الاستفادة من فرص الذكاء الاصطناعي المأْمُونة والمُؤَمَّنة والموثوقة لأغراض التنمية المستدامة). ولإبراز الأهمية التي يوليها المغرب للموضوع ولا سيما على مستوى القارة، نظمتْ المملكة أول منتدى حول الذكاء الاصطناعي في أفريقيا في يونيو 2024، بتعاون مع اليونسكو وبمشاركة أكثر من 30 دولة أفريقية، وتزامنا مع  تنظيم لقاءنا هذا اليوم، عُقد يوم أمس 20 مارس اجتماع على مستوى  مجلس السلم والأمن التابع للاتحاد الإفريقي خصص لمناقشة موضوع "الذكاء الاصطناعي وتأثيره على السلم والأمن والحكامة في إفريقيا" برئاسة المملكة المغربية، وفي كل هذه المنتديات تؤكد المملكة على أن الإمكانيات التي يُوَفرها الذكاء الاصطناعي تُمثِّل فرصة سَتُمكِّن الدول النامية مِنْ رِبح الوقت واختصار المسافة والنقص من التكاليف والرفع من مردودية الموارد البشرية والطبيعية، بُغْية تحقيق تنمية وأمْن مستدامين في أفريقيا.

ولا يَفوتُني هنا التنويه بالجهود التي تقوم بها الجمهورية الإسلامية الموريتانية الشقيقة في مجال الرقمنة والذكاء الاصطناعي وخاصة الاستراتيجية الوطنية للذكاء الاصطناعي 2025-2029، التي تُعتبر مقاربة شاملة لا من حيث تشخيص الوضع الحالي ولا من حيث تَوَجُّهاتها وأَولوياتهاالاستراتيجية ولا من حيث حكامتها وأهدافها وركائزها. وما تأسيس الوكالة الرقمية للدولة إلا تجسيد لتنزيل هذه الإستراتيجية التي يسهر على تنفيذها بكل احترافية ومهنية الأخ العزيز معالي وزير التحول الرقمي وعصرنة الإدارة بمساعدة ثلة من الأطر والخبراء الأكفاء، (الحاضرين معنا والذين أوجه لهم التحية من هذا المنبر)  وذلك لما تلعبه هذه الإستراتيجية من دور مهم في تطوير الخَدَمات الإلكترونية وتعزيز البِنْية التحتية التكنولوجية وتعزيز المقاولات الناشئة في مجال الرَّقْمِيَّات والذكاء الاصطناعي.

كما لا يَفُوتني هنا أن أُنَوِّه أيضا بمستوى التعاون الثنائي بين المغرب وموريتانيا الشقيقة في مجالات التحوُّل الرقمي والذكاء الاصطناعي، وكما عَبَّرْتُ عن ذلك في لقاءات سابقة لي مع معالي الوزير، يبقى المغرب رهن إشارة الشُّرَكاء الموريتانيين من وزارة ووكالة رقمية للدولة وكذا المعاهد والجامعات والشرِكات الخاصة والمقاولات الناشئة في مجالات المعلوميات والذكاء الاصطناعي، وذلك لتبادل الخِبرات والتكوينات في المجالات المذكورة.

السيدات والسادة،

بِما أنَّ هذا المُلْتَقَى هو مناسبة قبل كل شيء للاحتفاء بالأُطُر والشباب الموريتانيين خريجي معاهد وجامعات المملكة المغربية، فإنِّي انتهز الفرصة لتجديدِ التزام المملكة المغربية بتعزيز التعاون الأكاديمي والعِلْمي والتقني بين بَلَديْنا، وذلك انسجاما مع العلاقات المتميزة والاستثنائية والوشائج الأخوية التي تجمع البلدين الشقيقين و تنزيلا للتوجيهات السامية لصاحب الجلالة الملك محمد السادس، نصره الله في هذا الصدد، والتي تُولِي أهمية خاصَّة للتعاون جنوب-جنوب مع التركيز على إعطاء الأولوية للنهوض بالشباب الأفريقي لِتَمْكين القارة من الاستفادة من قدرات ومُؤهلات طاقاتِها الشابة والخلاَّقة.

في هذا الصدد وَجَبَ التذكير أن الطلبة الموريتانيين يَحْتلُّون الصدارة منذ عقود خلت من حيث الاستفادة من مِنَح الدراسة والولوج إلى الجامعات والمعاهد المغربية، إذْ يتراوح عدد المَمْنُوحين ما بين 300 و400، دون احتساب الطلبة المسجلين بالمعاهد الخاصة وكذا المستفيدين من التكوينات المِهنية والدورات التدريبية. كل هذه الجهود التي ابتدأت منذ مطلع السبعينات مع الوكالة المغربية الموريتانية للتعاون AMAMCO والتي تَحَولَتْ في منتصف الثمانينات إلى الوكالة المغربية للتعاون الدولي، مَكَّنَتْ من تكوين ما يُناهز ثلاثين ألف إطار موريتاني شَغَلُوا ويَشْغَلون اليوم مناصب ووظائف في القطاعين العام والخاص، مساهمين بخِبْراتهم وكفاءاتهم في تنمية هذا البلد الشقيق.

ورِهانُنَا الآن أن نُوَجِّه هذا التعاون الأكاديمي والعلمي والتقني إلى المجالات الجديدة كالرَّقمنة وعلوم المُعطيات الضخمة big data sciences والذكاء الاصطناعي وتطبيقاته في الطِّب والزراعة والإدارة والأبناك وغيرها، وذلك في إطار الاستفادة المتبادلة والتعاون رابح-رابح وأَمَلُنا أن نكون في مستوى تَطَلُّعَات قائديْ البلَديْن صاحب الجلالة الملك محمد السادس، نصره الله، وأخيه فخامة الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني.

 

والسلام عليكم ورحمة الله.

21 March 2025