تصريح بالممتلكات أم تهرّب من المساءلة؟ البرلمان يشتعل بالاتهامات

شهدت جلسة البرلمان الموريتاني المخصصة لمناقشة مشروعي قانوني مكافحة الفساد والتصريح بالممتلكات والمصالح مداخلات قوية من عدد من النواب، عبروا خلالها عن مواقف متباينة حول مضامين النصوص المقترحة ومدى جدية الدولة في تنفيذها.
فقد انتقد النائب يحيى ولد اللود مشروع القانون بشدة، واعتبره محاولة لإضفاء شرعية على الفساد بدل محاربته، متهما الحكومة بصياغة النصوص استجابة لضغوط من شركاء دوليين مثل البنك الدولي وصندوق النقد الدولي.
كما تساءل عن تأجيل تطبيق بعض بنود القانون، خاصة المتعلقة بإلزام النواب بالتصريح بممتلكاتهم، معتبرا أن ذلك يشير إلى نية للتهرب من المساءلة.
النائب أم المؤمنين أحمد سالم اعتبرت أن القوانين وحدها لا تكفي لتحقيق الإصلاح، مؤكدة على غياب الإرادة السياسية، وضرورة وجود قدوة وقيادة تُحتذى بها في مجال محاربة الفساد.
وأشارت إلى ندرة المسؤولين الذين يمكنهم الادعاء بثقة أنهم غير متورطين في الفساد، معتبرة أن وجود قائد نزيه قد يسهم في نشر القيم المناهضة للفساد داخل المجتمع.
من جهته، اعتبر النائب محمد الأمين ولد سيدي مولود أن بعض نواب الأغلبية يعارضون قوانين مكافحة الفساد، واصفا ذلك بأنه "فضيحة".
وأكد أن الفساد استفاد منه بعض النواب عبر صفقات كبيرة خلال السنوات الأخيرة، داعيا إلى مشاركة شعبية ورقابة جماهيرية لخلق توازن أمام ضغوط رأس المال.
النائب عبد الله سيدي محمد بوكه شدد على أهمية إدراج مفاهيم مكافحة الفساد ضمن المناهج التعليمية، خصوصا في مراحل التعليم الأساسي، منوها إلى ضرورة إشراك منظمات المجتمع المدني في هذا المجال.
كما أشار إلى تدني ترتيب موريتانيا في مؤشرات الشفافية الدولية، رغم مرور قرابة عقدين على بدء النقاش في هذا الملف.
وفي مداخلة لها، وصفت النائبة اغليوه بنت لحظانه مشروع القانون بأنه "الطريق السالك للحكم الرشيد"، معتبرة أن تعزيز الشفافية ومحاربة الإثراء غير المشروع أمور ضرورية لتحقيق النهضة الوطنية.
أما النائب المختار محمد سالم ولد لمام، فعبر عن تشككه في مدى قابلية القوانين للتطبيق، مؤكدا أن المصادقة على نصوص دون تنفيذها يخلق إحباطا لدى المواطنين الذين أصبحوا أكثر وعيا بمظاهر الفساد.
النائب السالك الداه شدد بدوره على أن محاربة الفساد يجب أن لا تظل شعارا يُمارس على الضعفاء ويُستثنى منه الأقوياء، مؤكدا أن تطبيق مبدأي العقوبة والمكافأة لا يزال غائبا، رغم توفر آليات الرقابة.
وفي السياق ذاته، شدد النائب ولد أحمد عيشه على أن المصادقة على قانون التصريح بالممتلكات والمصالح تمثل خطوة ضرورية في سبيل مكافحة الفساد، داعيا إلى العمل مع الدولة والمشاركة في تحقيق المصلحة العامة.
واعتبر أن محاربة الفساد مسؤولية جماعية، تتطلب التزاما حقيقيا من جميع الفاعلين، مؤسسات وأفراداً، حتى لا تبقى مجرد شعارات بلا أثر.
تباين المواقف بين النواب يعكس انقساما في الرؤى بشأن آليات محاربة الفساد في موريتانيا، ويثير تساؤلات حول مدى جدية السلطات في تنفيذ إصلاحات فعلية، وسط ضغوط محلية ودولية لتكريس الشفافية والنزاهة في تسيير الشأن العام.
وكانت الحكومة الموريتانية قدمت مشروعي قانونين يتعلقان بمكافحة الفساد والتصريح بالممتلكات والمصالح، في إطار ما وصفته بتعزيز الشفافية وترسيخ مبادئ الحكم الرشيد، تماشيا مع التزاماتها الدولية ومتطلبات الإصلاح الداخلي.
إلا أن الخطوة قوبلت بتحفّظ وانتقادات من عدد من نواب البرلمان، الذين رأوا أن النصوص المقترحة تفتقر للجدية وتخدم مصالح سياسية أو خارجية أكثر من كونها أدوات فعلية لمكافحة الفساد.
وكانت مناقشة مشروعي قانوني مكافحة الفساد والتصريح بالممتلكات قد تأجلت أكثر من مرة داخل البرلمان الموريتاني، ما أثار تساؤلات وانتقادات من بعض النواب والمراقبين.
وقد اعتبر هذا التأجيل مؤشرا على وجود خلافات سياسية داخلية أو تردد في تمرير نصوص قد تطال عدداً من المسؤولين والمنتخبين.
ورأى منتقدون أن التأجيل يعكس غياب الإرادة الحقيقية للمضي قدماً في محاربة الفساد، خاصة أن بعض بنود المشروع، مثل إلزام النواب بالتصريح بممتلكاتهم، ظلت مثار جدل واسع.
