التقاعد ينهي الوظيفة… لا التكليف/ عبد القادر ولد محمد

الاحتجاج بالمادة 66 من النظام الأساسي للوظيفة العمومية على نحو يُفهم منه أن التقاعد يُسقط تلقائيًا كل صفة وكل مهمة، هو قراءة مبتورة للنص القانوني ومخالفة لمنطق القانون الإداري نفسه.
نعم، التقاعد يُنهي العلاقة النظامية بين الموظف والإدارة، وهذه مسألة محسومة لا يجادل فيها أحد. لكن الخطأ الجسيم يبدأ حين يُراد تحويل هذه القاعدة إلى قاعدة مطلقة تُسقط تلقائيًا كل تعيين صادر بمرسوم، وكأن المراسيم الإدارية تُمحى بقوة الأثر التلقائي دون قرار صريح. هذا فهم لا يستقيم مع أبسط مبادئ الشرعية الإدارية.
فالوظيفة السامية التي تُسند بمرسوم ليست مجرد امتداد آلي لوضعية الموظف، بل هي مركز قانوني مستقل، قائم بإرادة السلطة المختصة. وما أُنشئ بمرسوم لا يزول إلا بمرسوم، احترامًا لمبدأ توازي الأشكال، وهو مبدأ راسخ في الفقه والقضاء الإداريين. ولو أخذنا بمنطق “السقوط التلقائي”، لفتحنا الباب أمام فراغ مؤسساتي خطير، لأن الإدارة لا تُدار بالتأويلات، بل بقرارات واضحة تُنهي وتُعيّن وتُرتب المسؤوليات.
ثم إن الإصرار على ربط كل وظيفة عليا بصفة الموظف يتجاهل واقعًا قانونيًا وإداريًا معروفًا: الدولة تعيّن باستمرار في المناصب السامية شخصيات لا تنتمي أصلًا للوظيفة العمومية — محامين، خبراء، أساتذة جامعيين، كفاءات وطنية مستقلة — وهؤلاء لا يعرفون شيئًا اسمه “رسالة التقاعد”. فهل يُقال إن تعيينهم غير ممكن؟ أم أن الحقيقة أبسط: وهي أن الوظيفة السامية تكليف قانوني مستقل، لا يختزل في المسار الوظيفي التقليدي؟
والأخطر من ذلك هو محاولة تصوير التقاعد وكأنه نهاية قانونية للقدرة على خدمة الدولة. هذا منطق يناقض فلسفة الإدارة الحديثة، التي تقوم على الاستفادة من الخبرة لا على إقصائها. فالدولة التي تُقصي خبراتها بمجرد بلوغ سنّ معيّن، هي دولة تقطع صلتها بذاكرتها المؤسسية. والتقاعد ينهي صفة الموظف، نعم، لكنه لا ينهي قيمة الكفاءة، ولا يُنشئ أي مانع قانوني أمام إعادة التعيين أو التكليف متى اقتضت المصلحة العامة ذلك.
لذلك فالقانون واضح بالفعل، ولكن وضوحه ليس في القراءة الحرفية الضيقة، بل في فهمه ضمن منظومته الكاملة:
التقاعد ينهي المسار الوظيفي، أما إنهاء المهام الممنوحة بمرسوم فمسطرة مستقلة لا تتم إلا بمرسوم مماثل، حفاظًا على الشرعية، واستمرارية المرفق العام، واحترامًا لقواعد التنظيم الإداري.
ومن يريد اختزال القانون في جملة واحدة، يتجاهل حقيقة بديهية: القانون الإداري ليس نصوصًا تُقتطع من سياقها، بل هو منظومة توازن بين النص، والمؤسسة، والمصلحة العامة.
وأقول قولي هذا ... لا رغبةً في تعيينٍ ولا تطلّعًا إلى منصب، بل يمكنني أن أقول — على سبيل الطرفة — إن «طار لي التعيين» و«طارت لي الوظائف» و لا اكتب إلا من اجل وضوح الفكرة وصواب التأويل.
أقولها من باب المبدأ لا المصلحة، ومن باب احترام القانون لا انتظار موقع.
والله المستعان، و أستغفر الله لي ولكم. ..رمضان كريم
