"بم تفكر" من الإستفسار إلى الإخبار/ القصطلاني إبراهيم

السؤال الذي عنون به الفيسبوك مساحة الإرسال لم يكن عفويا، بل كان مختارا بعناية، فهو لم يقل ماذا تريد؟ و لا ماذا تكتب؟ و لا ماذا تحب؟، بل قفز قفزة جريئة إلى عمق تفكير الإنسان و مركز تشكيل أفكاره معلنا إهتمامه البليغ بم يفكر.

إن السؤال "بم تفكر" هو بمثابة كاميرا مسلطة على الشعوب، لكنها لم تكن مجرد كاميرا عابرة للحدود، بل هي مخطط متكامل هدفه السيطرة الكاملة على كل من يفكر.

إن المتتبع لعالم اليوم، لعولمته و علمانيته، و صهيونيته لا يمكن أن يفصل مسار التكنولوجيا و خصوصا وسائل التواصل الاجتماعي عن أولئك الوجوه المخفية وراء كواليس الدول العظمى و المال و الأعمال التي تحاول السيطرة المطلقة على العالم و تعتبر الدين الإسلامي العدو الأول لها، لما يشكل من خطر كبير أمام أهدافهم الشيطانية المتوحشة.

نعود إلى السؤال "بم تفكر؟"

ذلك السوال الذي تبعناه جميعا رئيسا و مرؤوسا شبابا و شيبا أطفالا و نساء، فسطرنا تحته آلاف الأجوبة التي تختصرنا تفكيرا و ثقافة.

عقود من الزمن و السؤال "بم تفكر؟" يلاحقنا ليل نهار ، و أصحابه الذين طرحوه يقربوه منا أكثر فأكثر، حتى أصبح اليوم أقرب إلينا من أهلينا.

  لا يحتاج الأعداء الآن للتعرف على اي شخص منا إلا ضغطة زر على حسابه لتأتيهم الخلاصة في لحظات.

لقد نجح السؤال "بم تفكر" في رسم خريطة أفكارنا و تتبع مدار إهتماماتنا، و لا شك أن خططا موازية له تحت أسماء أخرى و في مجالات مختلفة تلاحقنا هي الأخرى.

اليوم حانت لحظة إنقلاب السؤال إلى جواب و التساؤل إلى تشارك و الإنتظار إلى ملاحقة و الاستفسار إلى إخبار.

حان الوقت ليقال لك "بم تفكر" جوابا لا سؤالا.

إنها لحظة الذكاء الإصطناعي الذي جاء ليقول لك "بم تفكر" دون أن يسألك "بم تفكر؟"

و ما يجعل الأمر أكثر خطورة عليك و تحكما فيك هو أنه بهذا الخطوة يريد أن يوقفك عن التفكير فلا داعي لأن تعصر ذهنك من أجل كتابة مقال بديع حول موضوع ملح، ما عليك إلا أن تسأل الذكاء الاصطناعي و هو يجيبك بم تفكر ، سيكون المقال الذي يولده لك مقالا ممتازا و أكثر من ذلك يحمل صبغة من نمط كتابتك و إن لم تكن كاتبا فسيكون يمثل بعض مشاعرك و ميولاتك ، إنه بإختصار "ما تفكر فيه" و لا داعي للتفكير فقد مللنا سؤالك "بم تفكر" حتى أصبحنا نحسن الجواب عن"بم تفكر" 

لا داعي للطبيب أن يفكر مليا و لا المهندس و لا الأستاذ أما المفكر فليس له من تفكيره شيئ.

إنه إعلان لتوقف التفكير و للحرب على التطور البشري الذاتي و للتحكم في مسار و نمط تفكيرنا دون أن نشعر.

فمثلا لو أني سألت الذكاء الاصطناعي أن يكتب لي مقالا حول عنوان مقالي هذا قبل أن أكتبه، لأقترح علي مقالا ما، و من خلال مقاله سأحس أنني يجب أن أتوقف عن التفكير و أعتمد ما جاء به من أفكار مولدة تتناغم مع "بم أفكر"

لكن هيهات هيهات أن يسرقني مخطط صهيوني و يحيدني جانبا و يجردني من مجرد التفكير.

إن المخطط الذي بين ايدينا و الذي يبدأ من بداية نشر تطبيقات الذكاء الاصطناعي هو البداية الفعلية لإعلان الهيبمنة و للتحول الفعلي من مجرد المسايرة من أجل التعرف و الدراسة إلى التحكم و المباغته و إعلان السيطرة الكاملة.

و من تابع حرب غزة و مستوى الخذلان لدى قادة الأمة الإسلامية و مستوى الانحطاط و المكاشفة لدى قادة الصهاينة يدرك أن مرحلة جديدة دخلت حيز التنفيذ،

و لكن و رغم كل المؤامرات و المؤتمرات و المخططات فنحن أمة لا تهزم لأننا أمة عقيدة و حتى لو بقي منا مؤمن واحد. فسيكون أمله في الله هو كما جاء في سورة يوسف عليه السلام 

(وَكَذَٰلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ وَلِنُعَلِّمَهُ مِن تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ ۚ وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَىٰ أَمْرِهِ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ)

القصطلاني إبراهيم

23 February 2026