رؤية الرئيس للحوار..الوفاق أولا /الشيخ ولد حبيب

حين يضيء المثال الطريق: بين رفض المأمورية الثالثة واختبار الحوار الوطني

في لحظة إقليمية ودولية تتسم بتصاعد التوترات السياسية وتراجع الثقة في المؤسسات، يبرز كل موقف مسؤول كإشارة ضوء في نفق طويل من الشكوك. قرار رفض الترشح لمأمورية ثالثة ليس مجرد خيار شخصي أو دستوري، بل هو رسالة سياسية عميقة تتجاوز حدود اللحظة، لتطرح سؤالًا جوهريًا: هل نحن أمام تحول حقيقي في ثقافة تداول السلطة، أم مجرد استثناء عابر؟

لقد أثبتت تجارب عديدة أن قوة الدول لا تُقاس بقدرة قادتها على البقاء في الحكم، بل بقدرتهم على مغادرته في الوقت المناسب. حين يختار المسؤول الانسحاب وفق قواعد الدستور وروحه، فإنه لا ينسحب من المشهد، بل يرتقي به. ذلك أن احترام التداول السلمي للسلطة يظل حجر الأساس لأي نظام ديمقراطي يسعى إلى الاستقرار والتنمية.

غير أن هذا الضوء، مهما كان ساطعًا، يصطدم بواقع سياسي داخلي لا يزال يعاني من التخندق الحاد واستغلال التأثير الحقيقي للنخب. فالحوار الوطني، الذي يُفترض أن يكون منصة جامعة لتقريب وجهات النظر وبناء توافقات كبرى، تحول في كثير من الأحيان إلى فضاء لإعادة إنتاج الانقسامات، بدل تجاوزها.

إن التخندق السياسي لا يعكس فقط اختلافًا في الرؤى، بل يكشف عن أزمة ثقة عميقة بين الفاعلين، حيث يغلب منطق الاصطفاف على منطق البناء المشترك. أما استغلال النفوذ، فهو أخطر من ذلك، لأنه يعني غياب الدور الحقيقي للنخب السياسية والفكرية في توجيه النقاش العام، وترك الساحة إما للضجيج أو للحسابات الضيقة.

في هذا السياق، يصبح السؤال أكثر إلحاحًا: كيف يمكن تحويل الإشارات الإيجابية، مثل رفض التمديد، إلى مسار إصلاحي متكامل؟ الجواب يبدأ بإعادة الاعتبار للحوار الوطني، ليس كشكل سياسي، بل كعملية جادة تتطلب إرادة صادقة، وضمانات حقيقية، ومشاركة فعالة من جميع الأطراف دون إقصاء.

كما يتطلب الأمر شجاعة سياسية للخروج من حالة الاستقطاب، والانتقال من منطق "من يربح ومن يخسر" إلى منطق "كيف نربح جميعًا". فالدول لا تُبنى بالغلبة، بل بالتوافق، ولا تستقر بالإقصاء، بل بالشراكة.

إن اللحظة الراهنة تضع الجميع أمام مسؤولياتهم: سلطة ومعارضة، نخبًا ومجتمعًا مدنيًا. فإما أن يتم استثمار هذه المؤشرات الإيجابية لبناء عقد سياسي جديد قائم على الثقة والتداول والشفافية، أو أن تضيع الفرصة كما ضاعت سابقاتها، ونعود إلى الحلقة المفرغة ذاتها.

في النهاية، تبقى الحقيقة البسيطة: الطريق إلى المستقبل لا يُضاء بالشعارات، بل بالمواقف. وكل موقف مسؤول، مهما كان محدودًا، يمكن أن يصبح بداية لمسار طويل… إذا وُجدت الإرادة.

 

الاعلامي الشيخ ولد حبيب

8 April 2026