من التقشف إلى السيادة: كيف نحول الهدنة العالمية إلى فرصة اقتصادية لموريتانيا؟

في ظل الهدنة المؤقتة القائمة بين الولايات المتحدة وإيران، والتي جاءت بعد توترات كادت أن تعصف بالاقتصاد العالمي نتيجة إغلاق مضيق هرمز، شهدت الأسواق الدولية ارتدادًا سريعًا في أسعار النفط، حيث تراجعت من مستويات قاربت 117 دولارًا إلى حدود التسعين دولارًا للبرميل، وهو ما يعكس بوضوح هشاشة التوازنات في سوق الطاقة العالمية، ويؤكد أن الأسعار لا تخضع دائمًا لمنطق العرض والطلب فقط، بل تتأثر بشكل كبير بالاعتبارات الجيوسياسية. هذا التحول السريع يضع أمام الدول، وخاصة النامية منها، درسًا بالغ الأهمية: الاعتماد على الخارج في تأمين الحاجيات الأساسية، خصوصًا الطاقة والغذاء، يمثل مخاطرة استراتيجية لا يمكن تحملها في عالم يسوده عدم اليقين.
وقد دفعت هذه التقلبات العديد من الدول إلى تبني سياسات تقشفية تهدف إلى ترشيد الإنفاق وتقليل أثر الصدمات الخارجية، وكانت موريتانيا من بين الدول التي انتهجت هذا المسار بوعي ملحوظ، حيث حظيت سياستها الترشيدية بإشادة إقليمية، من بينها ما صدر عن الوزير الأول السنغالي عثمان سونكو الذي اعتبر التجربة الموريتانية نموذجًا يُحتذى به في إدارة الأزمات. غير أن التقشف، رغم ضرورته، لا يجب أن يُفهم كغاية في حد ذاته، بل كمرحلة انتقالية نحو بناء اقتصاد أكثر صلابة واستقلالية.
إن الهدنة الحالية تمثل فرصة استراتيجية نادرة ينبغي استغلالها بذكاء، ليس فقط لالتقاط الأنفاس، بل لإعادة ترتيب الأولويات الاقتصادية على أسس أكثر استدامة. فبدل الاكتفاء بردود الفعل الظرفية، يتعين التوجه نحو استثمارات هيكلية في القطاعات البنيوية التي تضمن السيادة الاقتصادية، وعلى رأسها قطاعات الطاقة (النفط والغاز) والأمن الغذائي. ويُعد الاستثمار في الزراعة، والصيد البحري، والتنمية الحيوانية حجر الزاوية في هذا التوجه، لما توفره هذه القطاعات من قدرة حقيقية على تحقيق الاكتفاء الذاتي وتقليص التبعية للأسواق الخارجية.
فالدول التي لا تنتج غذاءها تظل رهينة لتقلبات الأسواق الدولية، وتفقد جزءًا كبيرًا من سيادتها الاقتصادية. ومن هذا المنطلق، يصبح من الضروري توجيه القروض التنموية والتمويلات العمومية نحو هذه القطاعات الإنتاجية، مع توفير بيئة محفزة للاستثمار الخاص، من خلال تسهيلات ضريبية، ودعم لوجستي، وتبسيط الإجراءات الإدارية. كما ينبغي إطلاق برامج تكوين مهني موجهة للشباب، يشرف عليها خبراء وطنيون، لتمكينهم من دخول هذه المجالات بمهارات حديثة ورؤية إنتاجية.
إن تشجيع الشباب على الانخراط في الزراعة والصيد والتنمية الحيوانية لا يمثل فقط حلاً لمعضلة البطالة، بل هو استثمار في مستقبل الاقتصاد الوطني. فكل مشروع إنتاجي جديد يعني تقليص الضغط على الوظيفة العمومية، وزيادة في الناتج المحلي، وتعزيز في الميزان التجاري. كما أن توجيه رجال الأعمال نحو الاستثمار في هذه القطاعات، إلى جانب تحفيز البنوك الخاصة على رعاية وتمويل المشاريع التنموية الشبابية، سيساهم في خلق ديناميكية اقتصادية جديدة قائمة على الإنتاج بدل الاستهلاك، ويعزز من فرص اندماج الشباب في الدورة الاقتصادية بشكل فعّال ومستدام.
وفي هذا السياق، تبرز الحاجة إلى إطلاق حملة وطنية شاملة للتوعية بأهمية هذه القطاعات، ليس فقط كخيار اقتصادي، بل كمسار سيادي يضمن الاستقرار والاستقلال. فالعالم اليوم لا يرحم الدول الضعيفة اقتصاديًا، ومن لا يملك قوته لا يملك قراره.
ختامًا، إن المرحلة الحالية، رغم ما تحمله من تحديات، تفتح أيضًا آفاقًا واسعة لإعادة بناء نموذج اقتصادي أكثر توازنًا ومرونة. وموريتانيا، بما تمتلكه من موارد طبيعية وبشرية، قادرة على تحويل هذه التحديات إلى فرص، إذا ما تم توجيه الجهود نحو الاستثمار الحقيقي في القطاعات المنتجة، وتعزيز ثقافة العمل والإنتاج، وبناء شراكة فعالة بين الدولة والقطاع الخاص. إنها لحظة وعي اقتصادي، تتطلب قرارات شجاعة، ورؤية بعيدة المدى.
بقلم : أحمد ولد التباخ - إطار إداري مالي ورئيس حركة وعي وتمكين

9 April 2026