أين البديل؟ سؤال الخوف من التغيير وإشكالية التداول السياسي في موريتانيا/اللواء الذهبي جعفر

سؤال “أين البديل؟” لم يعد مجرد سؤال سياسي بريء يُطرح بدافع البحث عن حل، بل أصبح في كثير من السياقات العربية أداةً تُستخدم لإدامة الأمر الواقع، وتخويف الناس من أي محاولة للتغيير. فكلما ارتفعت الأصوات المنتقدة للأداء السياسي أو الاقتصادي أو المؤسسي، يُواجه أصحابها بسؤال يبدو منطقياً في ظاهره: من سيأتي بعد هذا النظام؟ ومن يملك القدرة على إدارة الدولة؟ غير أن هذا السؤال يتحول أحياناً إلى وسيلة لتعطيل النقاش الحقيقي حول أسباب الأزمة، وكأن غياب البديل يبرر استمرار الاختلالات القائمة.

‎في العمق، لا تُصنع البدائل السياسية داخل بيئة مغلقة أو تحت أنظمة تُضعف الحياة السياسية وتُهمّش الكفاءات. فالبديل لا يظهر فجأة، بل يتكوّن تدريجياً عبر مناخ يسمح بالتداول، ويفتح المجال أمام النخب، ويمنح المجتمع فرصة إنتاج قياداته الطبيعية. لذلك يرى كثيرون أن المدخل الحقيقي ليس البحث المحموم عن “الشخص المنقذ”، بل الخروج أولاً من حالة الجمود السياسي التي تُعيق بروز البدائل نفسها.

‎وفي الحالة الموريتانية، يبدو هذا النقاش أكثر تعقيداً. فالمشهد السياسي، رغم تعدديته الشكلية، ما يزال يفتقر إلى شخصية وطنية توافقية تستطيع أن تحظى بإجماع واسع بين مختلف الفاعلين السياسيين والاجتماعيين. المعارضة مشتتة، والأغلبية مرتبطة ببنية السلطة، والشارع يعيش حالة من الحذر وعدم الثقة تجاه الطبقة السياسية عموماً. لذلك فإن طرح سؤال “من البديل؟” في موريتانيا لا يمكن تجاهله بالكامل أو اعتباره مجرد ذريعة سياسية، لأن الواقع فعلاً لا يُظهر حتى الآن شخصية جامعة تمتلك الكاريزما والرصيد والخبرة والقبول الوطني الكافي لقيادة مرحلة انتقال سياسي هادئ ومستقر.

‎لكن غياب الشخصية التوافقية لا يعني غياب البدائل بالمطلق. فالبديل قد يكون مشروعاً سياسياً جماعياً، أو إصلاحاً تدريجياً للمؤسسات، أو إعادة بناء الثقة بين الدولة والمجتمع، وليس بالضرورة فرداً واحداً. هنا تبرز أهمية الحوار السياسي كإطار لإعادة تنظيم الحياة السياسية وخلق قواعد جديدة للتنافس والتداول. وإذا كان الحوار المرتقب في موريتانيا يهدف فعلاً إلى تهدئة المشهد وفتح أفق سياسي جديد، فمن الطبيعي ألا تبقى بعض القضايا الحساسة خارج النقاش، ومن بينها مسألة المأموريات الرئاسية

‎فإدراج موضوع المأموريات في الحوار لا ينبغي أن يُفهم بالضرورة على أنه محاولة لتكريس البقاء في السلطة، بل يمكن النظر إليه كجزء من نقاش أوسع حول طبيعة النظام السياسي، وضمانات الاستقرار، وشروط التداول السلمي. إذ إن كثيراً من الدول عرفت تعديلات دستورية مرتبطة بالسياقات السياسية والاجتماعية الخاصة بها، سواء بتوسيع أو تقليص المدد الرئاسية. والمهم في النهاية ليس عدد المأموريات فقط، بل وجود مؤسسات قوية، وقضاء مستقل، وانتخابات نزيهة، وحياة سياسية تسمح بظهور بدائل حقيقية.

‎إن الأزمة في موريتانيا اليوم ليست فقط أزمة أشخاص، بل أزمة ثقة وبنية سياسية. لذلك فإن تجاوز حالة “أين البديل؟” يقتضي بناء بيئة تُنتج البدائل بشكل طبيعي، بدل انتظار بروز شخصية استثنائية قد لا تأتي أبداً. وعندما تصبح المؤسسات أقوى من الأفراد، يصبح التداول أكثر سهولة، ويتحوّل سؤال “أين البديل؟” من أداة للخوف إلى سؤال ديمقراطي طبيعي يمكن للمجتمع أن يجيب عنه بثقة وهدوء

اللواء الذهبي جعفر من فصيلة الاحتياط للجيش الوطني

27 May 2026